الصندوق الأسود

 

n00020030-b

 

في غمرة التجاذبات المستولية على أم الحدث وأبيه ، سمعنا الكثير من المقاربات والحلول والمحاولات لاحتواء الأزمة ، لا بل شاركنا في كثير من الأحيان برسم تصور أو تنويه لفكرة ربما تسقط سهواً على طاولة مواطن صاحب قرار فاعل على الأرض تكون رديفاً لفكره أو مشروعاً مبدئياً للعمل في سبيل الخروج من عنق الزجاجة .

وعلى سيرة ” مبدئياً ” ، تلك الكلمة التي دار حولها ما دار من سجالات ونقاشات تحت قبة البرلمان اللبناني بسبب ورودها في الفقرة الخاصة بالمحكمة الدولية، في سياق : تحترم الحكومة اللبنانية القرارات الصادرة عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان لإحقاق العدالة مبدئياً .
استوقفتني اليوم كما العادة جلسات مناقشة البيان الوزاري للحكومة اللبنانية العتيدة ، حيث وفقت بحضور جلسة ديمقراطية بامتياز!!.

يعتلي فيها المنبر النائب خالد الضاهر عضو تكتل لبنان أولاً ” تيار المستقبل ” ويلقي قصائد الغزل والحب في ” الثورة السورية المباركة ” ضد “الدكتاتور” ولا أعلم صراحة من أين سقط في قلبه كل هذا العشق للسوريين، وهو المشهود له تاريخياً بالعداء لسوريا ولشعب سوريا ولدور سوريا، فيقاطعه النائب عاصم قانصوه ” حزب البعث في لبنان ” ليقول له : من أنت لتتكلم عن سوريا ؟ مين أنت يا كلب !! .
لم يسمع الضاهر الشتيمة وأكمل خطابه ثم نزل وعاد إلى كرسيه ليجلس بالقرب من النائب سامر سعادة ” حزب الكتائب ” الذي تكفل مشكوراً بنقل الشتيمة له .
فانتفض الضاهر ووجه الكلام لرئيس المجلس بقوله : قال عني الزميل قانصو أنني كلب .. وأنا أقول له : أنت الكلب . ولتبدأ جولات استعراض العضلات والتفلت على بعضهم البعض ، وقبل أن يتحول المجلس لحلبة مصارعة ، يتدخل ” الأوادم ” لفض الخلاف بين الزميلين .
كانت الجلسة كسابقتها عبارة عن هجوم مستميت على حزب الله وسلاح حزب الله بأقسى العبارات وأكثرها استفزازاً ، وكوني لا أخفي اقتناعي بفكر هذا الحزب وإيماني بمبادئه الوطنية فقد أثارت حفيظتي هذه الكلمات المتوالية من النواب اللبنانيين المعارضين له ، واستغربت كيف يمكن لنواب الحزب أن يتحملوا ما يسمعوه وكيف لهم أن يتقبلوا هذا الكم الهائل من الضغط النفسي ، لأعود وأتذكر أنها : الديمقراطية ، فلا بأس .

في مصر نجحت الثورة وأسقط مبارك ، بعدها مباشرة ذهب الشعب لصناديق الاقتراع ليقترعوا حول تعديل الدستور أو تغييره ، وكانت الأصوات العاقلة كلها تصب في خانة تغيير الدستور، وتوقعت شخصياً بفوز هذا الخيار على فكرة التعديل ، لكن الذي حدث هو فوز تعديل الدستور بنسبة 70 % من إجمالي الأصوات، وحين سألت أحد الأصدقاء المصريين عن سبب ما حصل فعلاً قال : أنا مقتنع بوجود تغيير الدستور كاملاً لكنني صوتت لصالح تعديله ، فالدستور يحتوي على مادة تفيد أن الرئيس يجب أن ينتمي للدين الفلاني ، وأخشى إن فاز تغيير الدستور أن تتغير هذه المادة ويأتي لسدة الحكم شخص يتبع ديناً آخر وهذا لا أريده .
ربما نسي هذا الصديق أن فكرة تعديل الدستور أيضاً يمكن أن تطيح بهذه المادة التي يتمسك بها ، لكن دفاعه المستميت عن المادة أدى إلى قيامه مع كل عائلته بالتصويت لصالح التعديل بدلاً من التغيير، لا بل أنه تكبد عناء السفر من بلد عربي إلى مصر فقط ليشارك بالاقتراع .

يمكن اعتبار هذا الحديث _ على طوله _ عبارة عن جملة اعتراضية لا محل لها من حديثنا هنا .
تعددت وجهات النظر كما أسلفنا الذكر حول الحل للأزمة الراهنة، فالبعض اعتبر أن البداية تكمن في الاعتراف مبدئياً بوجود أزمة على الأقل وعدم المكابرة ، وذهب آخرون لاعتماد الحوار سبيلاً للتحول إلى دولة ديمقراطية، وامتنع آخرون من المشاركة في أي حوار في ظل وجود عسكري وقمع واعتقالات .. إلخ .

وكل فكرة تأتي مدعومة بمسيرات أو مظاهرات حاشدة لتؤيد هذا الطرح أو ذاك ، وتختلف الأرقام من خروج لعشرات ، إلى مئات المواطنين يشاركون ، إلى الآلاف ، ثم عشرات الآلاف ومئات الآلاف ، وصولاً إلى المظاهرات المليونية ومسيرات التأييد المليونية ، فمن هو الحكم والفيصل الذي يدلنا على الرقم الصحيح؟ .

أرى أن هذه الأرقام سيتم فرزها منطقياً وبشكل حقيقي عند أول اقتراع أو لجوء إلى صندوق اقتراع حول تعديل لمادة من الدستور أو تعديل شامل للدستور ، أو حتى انتخابات مجلس الشعب ، فالقصد هو أي حراك سياسي عبر صندوق اقتراع أو انتخاب ، فعند أول اقتراع مراقب من قبل لجنة قضائية مستقلة ونزيهة وموثوقة المرجعية ، دولية كانت أم محلية تكون مهمتها ضمانة نزاهة العملية الديمقراطية والمراقبة لسير العمل الانتخابي أو الاقتراع ، سيحصل الانقسام بشكل عملي بين أفراد الشعب وسيتم الفرز الدقيق للأرقام وسيظهر حجم المعارضة الحقيقي ، وحجم الموالاة الحقيقي ، سيغدو الانقسام الظاهري الآن واقعاً ملموساً ، وسيكون هذا الطرح عبئاً ثقيلاً على أصحاب فكرة الحياد، فالواجب الوطني يقتضي أن يقوم كل مواطن بالاقتراع وأن يدلي بصوته سلباً أو إيجاباً ، لا شك أن الديمقراطية تضمن له فكرة الورقة البيضاء أو البقاء على الحياد ، لكن المسائل أصبحت بحجم وطن ، وبعضها يتعلق بإصلاح ربما له رأي فيه أو بطريقة حياة له أيضاً رأي فيها .
صندوق الاقتراع قد يحمل الحقيقة حول الأرقام والأحجام ، لكنه سيرسخ الانقسام ويعمقه ، لا شك أنها متطلبات الديمقراطية، ولا أقول أن شعبنا ليس مستعداً بعد للدخول في لعبة الديمقراطية ، لكن المشكلة ستكمن في المتعصبين لفكرة ما ، فلو فرضنا أن الاقتراع سيكون على إلغاء المادة الثامنة من الدستور ، قد نجد حينها بعض الموالين الذين كانوا قبل الأحداث معارضين لهذه المادة ومهاجمين لها ، سنجدهم الآن أول من سيصوت ضد فكرة إلغائها لدعم الفريق الذي ينتمون إليه : فريق الموالاة .
أيضاً في الطرف الآخر ، سنجد بعض المعارضين الذين يتوقون للإصلاح ، سينتقدون أية فكرة إصلاحية يتم الاقتراع عليها فقط لإضعاف الفريق الآخر ولتقوية فريقهم .
نحن لا نعمم هنا ، لكنها نماذج ستكون موجودة ولا بأس بنسبتها أيضاً .
فهل نحن مستعدون فعلاً لفكرة صندوق الاقتراع النزيه ؟
هل سيقترع كل مواطن فعلاً بما هو مقتنع به ؟ أو بما تقتضيه عليه اصطفافاته ؟

بعد حدوث الكارثة، يتم البحث عن الصندوق الأسود الذي يحمل في داخله الحقيقة ، ويطول البحث عنه ، وحين يتم إيجاده ، يعرف الجميع ما الذي جرى .
هذا الصندوق جلب الحقيقة .. بعد أن حصلت الكارثة .

Advertisements

2 تعليقان to “الصندوق الأسود”

  1. jafra78 Says:

    الاهم انو يكون في قناعات و راي عند المواطن
    يعني فكرة الخوف و اكلمة انا مالي
    و الافكار اللي تربى عليها
    هادا واحد تبع دين لازن نوقف معوا
    و هذا يساري كافر ما لازم نطلع عليه
    و دير بالك الحيطان الها ودان
    غير هادا عيل و هادا بيقبض و هادا

    بس من وين بدو يجي الاستعداد اذا ما اخدنا فرصة نتعلم فيها
    ما حدا رح يعلمنا احترام خياراتنا الا اذا كان في عنا خيار 🙂

    عجبتني قصة المجلس اللبناني
    كتير ناس هلا بتدافع عن شعب سوريا مع انهم كانوا بهاجموا فيه و بتمنولوا ضربة قوية
    الله يهدي الحال(على قولة ستي )
    و يعطينا خير اللي عم يصير

  2. مجنون Says:

    تماماً جفرا ، أتمنى أن نجرب بشيء آخر قبل اقتراع على مستوى وطن
    أتمنى أن يترسخ مبدأ تعدد الخيارات فعلياً وأن يستوعب الشعب ذلك
    قبل ذهابهم للاقتراع .
    أتمنى أيضاً أن يختار كل مواطن ما هو مقتنع به منطقياً لا عاطفياَ .
    أتمنى من كل مواطن ان يختار ما فيه مصلحة الوطن كاملاً حتى لو تنافى مع شيء من مصالح حزب أو جهة أو نظام أو تنسيقية موالية او معارضة .

    أتمنى ذلك بصدق

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: