ثلاثية فن الانتظار

By مجنون

darwish

تختلف مواضع الانتظار في أسطر الأدباء .. وتختلف دوافعه
عادة ما يخلق الكاتب حالة يغلف روحه بها ويكتب مخاطباً إياها .. أو مخاطباً الناس
وربما يعيش هذه الحالة فعلاً وتلقي بظلالها عليه .. فيبدع في وصفها ووصف نفسيته من خلالها
والانتظار يترك أثراً من ألم و شوق أو لهفة في القلب تحفز الأقلام والعقول ..

لدرويش طقوس في الانتظار لا تليق إلا بشاعر يرى ما ليس يُرى ..

تتصاعد موجاتُ النَفَسِ في صدره ويزدادُ قلمه شبقاً للوصول رويداً ، فيستقر قليلاً ليبدأ بتفنيد لحظات الانتظار وينثرها على طرقٍ ثلاث .

الخطوة الأولى :

درس من كاماسوطرا ..

يعدُّ الشاعر المكان والزمان لاستقبالها ، يرتّب طاولة الانتظار ، يحيك بالشؤون الصغيرة حيثيات المكان بتهادٍ وسلاسة ، يخلق جواً من الرومانسية البسيطة التي تليق بمعشوقة تنتظر أن تتوّج ملكة على أرضِ الاشتياق .

يقول :

بكأس الشراب المرصّع باللازرود انتظرها،
على بركة الماء حول المساء وزهر الكولونيا انتظرها،
بصبر الحصان المعدّ لمنحدرات الجبال انتظرها،
بسبع وسائد محشوة بالسحاب الخفيف انتظرها،
بنار البخور النسائي ملء المكان انتظرها،
برائحة الصندل الذكرية حول ظهور الخيول انتظرها،

ثم يستمر بادّعاء الهدوء الذي يتسلل من بين أحرفه التي تلت ، كيف سيكيّف الحقيقة بأنها لم تأتِ بعد ؟ كيفَ سيستقبلها وكيف سيتصرّف في حضرة وجودها ، فهي آتية ، آتية لا شك ..
كن هادئاً أيها الشاعر وامنحها فرصة حين تأتي لتفترش المكان ، لتمارس أنوثتها كما ينبغي لها أن تكون ، واجلس هادئاً وراقب كن كثب تفتّح تباشير اللقاء ، هي آتية أيها الشاعر فانتظرها
يقول :

ولا تتعجل فإن أقبلت بعد موعدها فانتظرها،
وإن أقبلت قبل موعدها فانتظرها،
ولا تُجفل الطير فوق جدائلها وانتظرها،
لتجلس مرتاحة كالحديقة في أوج زينتها وانتظرها،
لكي تتنفس هذا الهواء الغريب على قلبها وانتظرها،
لترفع عن ساقها ثوبها غيمة غيمة وانتظرها،
وخذها إلى شرفة لترى قمراً غارقاً في الحليب انتظرها،
وقدم لها الماء، قبل النبيذ، ولا
تتطلع إلى توأمي حجل نائمين على صدرها وانتظرها،
ومسّ على مهل يدها عندما
تضع الكأس فوق الرخام
كأنك تحمل عنها الندى وانتظرها،
تحدث إليها كما يتحدث ناي
إلى وتر خائف في الكمان
كـأنكما شاهدان على ما يعد غد لكما وانتظرها
ولمّع لها ليلها خاتما خاتما وانتظرها

لن ينتهي الانتظار وإن أتت ، فلا تتوقف عن ممارسة جنون الشوق واستمر بانتظارها حين تأتي ، كن عاشقاً أيها الشاعر لدرجة أن تحسّ بأنكَ وحدك هاهنا ، أنتَ ومن تحب . لا تتركها إن قررتَ الرحيل بل احملها واحمل وجودها على كتفيكَ ، في قلبكَ ، في دقائق الوقت ، واستمر بانتظارها
يقول :

وانتظرها
إلى أن يقول لكَ الليل:
لم يبقَ غيركما في الوجود
فخذها، برفق، إلى موتك المشتهى
وانتظرها!…

الخطوة الثانية :

في الانتظار ..

تأخرتْ عن موعدها ، ولم تأتِ بعد ، تفتح هذه الـ ” بعد ” الأبواب لاحتمالات كثيرة ، ربما كان حدثاً طارئاً أخرها عن موعد الشاعر ، أو لعلها راجعت نفسها فظهرتْ نرجسيتها فقررت ألا تأتي فحينها ، لن تأتِ مهما طال انتظاره ، يحاول الشاعر بداية أن يوجدَ المبرراتِ مواسياً نفسه ولا ينسى أن يبالغ قليلاً في تزيين الحقيقة القاسية ببعض السخرية من غيابها ، فحين ينهكه الغياب ، لا بد وأن يهزأ به قليلاً لكي يريه انه يبقى الشاعر ولا يلقِ بالاً لامرأةٍ أخرها ما أخّرها عنه ، ثم تبدأ اللهجة بالتصاعد لتصبح تهكّماً على الغياب وعليها

يقول :

في الانتظار يصيبني هوس برصد
الاحتمالات الكثيرة :
ربما نسيت حقيبتها الصغيرة في القطار،
فضاع عنواني
وضاع الهاتف المحمول، فانقطعت شهيتها
وقالت : لا نصيب له من المطر الخفيف
وربما انشغلت بأمر طارئ أو رحلة
نحو الجنوب لكي تزور الشمس، واتصلت
ولكن لم تجدني في الصباح، فقد
خرجت لأشتري غاردينيا لمسائنا وزجاجتين
من النبيذ..
وربما اختلفت مع الزوج القديم على
شؤون الذكريات، فأقسمت ألا ترى
رجلاً يهددها بصنع الذكريات
وربما اصطدمت بتاكسي في الطريق
إلي، فانطفأت كواكب مجرتها
ومازالت تعالَج بالمهدئ والنعاس
وربما نظرت إلى المرآة قبل خروجها
من نفسها، وتحسست أجاصتين كبيرتين
تموجان من حريرها، فتنهدت وترددت:
هل يستحق أنوثتي أحد سواي
وربما عبرت، مصادفة، بحب
سابق لم تشفَ من، فرافقته إلى العشاء

في هذه الحال ، لا بدّ من ثأرٍ يريح صاحب الانتظار ، الشاعر ، من إحساسٍ بلامبالاة من تأخرت عن موعده ، لا بدّ من لغة ومفرداتٍ قاسيةٍ ساخرةٍ من دقائق قضاها في الانتظار ، وقتلها مترقّباً أمراً ، سيدةً ، حبيبةً ، ليست بمستوى حبّة الذي حين يفاجئه يتملك أمره ، ربما ماتت ، وهذا ما أخرها، ربما.. لم لا؟؟
يقول :


وربما ماتت،
فإن الموت يعشق فجأة، مثلي،
وإن الموت، مثلي، لا يحب الانتظار

الخطوة الثالثة :

لم تأتِ ..

هذا وقد طال الانتظار ، وأيقن الشاعر أنّه ينتظر لمجرّد أنه ينتظر ، قرر الوصول إلى ما ينبغي عليه أن يفعله في غيابها ، فإنها : لن تأتِ ، لا بأس إذاً ، هذه حقيقة عليه التكيّف معها ، كيف سيعاقبها على غيابها ، كيف سيجلس ؟ .. فيمَ سيفكر ، وعلام سيتّكئ ويرخي ظلال خيبته ؟
ماذا سيفعل بالرومانسية المنسيّة على مائدته ساعات وساعات تنتظرها ، ربما سيغيّر بدايةً في المكان ..

يقول :

لم تأتِ. قلتُ: ولن .. إذاً
سأعيد ترتيب المساء بما يليق بخيبتي
وغيابها:
أطفات نار شموعها،
أشعلت نور الكهرباء،
شربت كأس نبيذها وكسرتهُ،
أبدلتُ موسيقى الكمنجات السريعة
بالأغاني الفارسية.
قلت: لن تأتي. سأنضو ربطةَ
العنق الأنيقة [هكذا أرتاح أكثر]
أرتدي بيجامة زرقاء. أمشي حافياً
لو شئتُ. أجلس بارتخاء القرفصاء
على أريكتها، فأنساها
وأنسى كل أشياء الغياب /
أعدتُ ما أعددتُ من أدوات حفلتنا
إلى أدراجها. وفتحتُ كل نوافذي وستائري.
لاسر في جسدي أمام الليل إلاّ
ما انتظرتُ وما خسرتُ…
سخرتُ من هَوَسي بتنظيف الهواء لأجلها
[عطرته برذاذ ماء الورد والليمون]

ثمّ وبعد إعادة كل مفردات انتظاره لها إلى مكانها ، وبعد فتح نوافذه ليهرب هاجس غيابها ، فلعل نسمة ما عابثة تدخل إليه وتنتشله من حالة لفّته ، فقد أيقن أنها لن تأتِ ، هل سيمرّ غيابها هكذا ؟ دون عقوبة تليق ؟ ، وماذا سيفعل بقصائد العزل المعدّة للهطول على شرف حضورها الذي كان منتظراً ؟
لا يمكن لعاشق أن يمارس عنفاً على من يحبّ ، لا يمكن لقسوة تملّكت قلبه وخلقها انتظاره لها أن تنعكس عقوبة تؤلم من يحب ، فلتكن إذاً عقوبة تليق بأنثى تستحق الانتظار …
يقول :

لن تأتي … سأنقل نبتة الأوركيد
من جهة اليمين إلى اليسار لكي أعاقبها
على نسيانها…
غطيتُ مرآة الجدار بمعطفٍ كي لا أرى
إشعاع صورتها … فأندم /
قلتُ: أنسى ما اقتبستُ لها
من الغزل القديم، لأنها لا تستحقُّ
قصيدةً حتى لو مسروقةً…
ونسيتُها، وأكلتُ وجبتي السريعة واقفاً
وقرأتُ فصلاً من كتاب مدرسيّ
عن كواكبنا البعيدة
وكتبتُ، كي أنسى إساءتها، قصيدة
هذي القصيدة!

هذه خطوات الانتظار الثلاثة في قصائد ثلاثة من شعر محمود درويش ، لعلها أعذب ما قيل شعراً في انتظار أنثى ، في الانتظار بكل أشكاله .. لا أفاجأ بشعرية هذا الشاعر وقدرته على أن يكون الأول في كل مجال ..

شاعر الوطن والقضية ؟؟ .. لا بأس ، لكنه أيضاً روحٌ سامية تعشق ، تحب ، وللغزل فيها النصيب

أرفع قبعتي لكَ في حضرة غيابكَ درويش .

الأوسمة:

6 تعليقات إلى “ثلاثية فن الانتظار”

  1. rain drops يقول:

    عندما يُشرب الوقت في كؤوسٍ من إنتظار .. لإنتظار روح ما .. كيانٌ ما .. قلبٌ ما .. أو جسدٌ ما

    يظل صاحب الإنتظار في ترقبٍ لأي بصيصٍ يَعدُ بالحضور .. أو الوصول .. وهذا ما كان ..

    في حضرةِ غياب درويش عنها .. وأنثى عابرة … وروح ظلت في إنتظارٍ حتى يعود اليقين

    فيستيقظ الجسد منتشياً يلملم باقايا روحٍ تبخرت للأعلى ثم إرتمت غافية.. أثملتها كؤوس الإنتظار ..

    تلكَ الثلاثية في فن الإنتظار .. يكتبها درويش في ثلاثية متكاملة ..، كِلا الطرفين كانا في إنتظار ما

    وكلاهما على طريقته ..

    كما عرفتكَ سيدي .. ليس حرياً أن أرى جسدكَ لأتأكد من وجودكَ ..

    وإنما إن سرقكَ الواقع أجدكَ هاهنا بين الحروف ..

    وإن سرقتكَ الحروف ..، أجد عِطركَ هاهنا ..

    في زهرة .

  2. أمنيّة يقول:

    رائع

    أود أن أدلو باعتراف
    غالبا ما أقرا سطور لدرويش و لا أفهم شيئا ..مثل قصيدة ” قيثارتان”..

    مشكلتي الدائمة مع الشعر أن مخي يحتاج لمن يأخذ بيده ليرى ما وراءه .

    و تعقيبا على القصيدة : اجزم أن درويش يفضل حالة الانتظار ووجعها و حرقة خيبة الانتظار على الجلوس معها..
    مودتي

  3. Stranger يقول:

    …جميل ياهاني …
    أهديك في هذا المزاج الذي تركه تحليلك عن قصائد درويش في الانتظار ،
    http://uploading.com/files/1VLOSVNK/05_-_Track_5.mp3.html

    * ملاحظة: هناك قصيدة على لسان إمراة ( لم أنتظر أحدا ) / سرير الغريبة تُصيغ الانتظار الانثوي بطريقة مغايرة للانتظار استطاع درويش بذكاء أن يعكس “كيدهن ” فيه، يمكن أن تفرد لها لاحقاً مقارنة بين انتظار الرجل وانتظار الأنثى. :)

  4. faddy يقول:

    بالنسبة للقصيده الأولى .. استمعت اليها بصوته في مسلسل سوري اسمه ليس سرابا

    واضح جدا كم تعبت على الموضوع المنسق والمتكامل

    يصعب عليي لحد الساعه أن أتقبل حقيقة أن العظيم رحل

    أشعر بشده أنه لازال قابعا بيننا لا يموت

    تحياتي

  5. مجنون يقول:

    rain drops :

    أعجبتني قراءتكِ للنص وتحليلك ايضاً جميل . تحية لكِ

    أمنية :

    تستطيعين أن تقولي أنني أنا كذلك ، لا أفهم الكثير مما يقال شعراً ، لكن لا بأس بتجربة لتوضيح كيفية قراءتنا للنص . كل المحبة .

    stranger :

    وكيف أكتب عن درويش ولا تمرين ، طبيعي .
    شكراً على الهدية الجميلة . جميل أن نقوم بمقارنة بين انتظارين لرجل وامرأة .
    شكراً لك .

    faddy :

    من يكتب الشعر غالباً ، لا يموت .
    نعم ، كثير من قصائد درويش موجودة بصوته ، والاستماع إليها جميل .
    شكراً لك

  6. The Heart يقول:

    إنه درس من أجمل ما كتبه هذا الراحل الكبير .. رحمه الله

    إحترامي :)

اترك رد